لازمة صنـــاعة الأمن - الوصل المغربي

عاجل

إعلان

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

لازمة صنـــاعة الأمن



” الحرية هي بالتعريف: الاتفـاق مع ما يوحي به الشرع والعقل، الحرية حكم شرعي لكنه في نفس الوقت إثبـات واقع مدى قدرة الفرد على تحقيق العقل في حياته، وهذا التطـابق بين الشرع والعقل والحرية هو العدل الذي يقوم عليه الكون.”
مفهـــوم الحرية / د. عبدالله العروي
لاشك أن مثل هذا التعريف للحرية يحضـر بقوة في كثيـر من المواضع وفي كثيـر من الحالات والظروف المرتبطة بالإنسان وبالإنسانية عمومـاً وما بات يحيط بهـا من آلام ومآسي هي أفظع في النهـــاية من كل ما شهدته في العصر الحديث.. على الأقل.
وإذا كان الأمن أحد أهم مقـاصد الشرائع على مختلف تبايناتهـا وأطيافهـا بين بني البشر، إلا أنه أصبح قيمـة نـادرة تكـاد تعز بين الأقطـــار خصـوصـا على مستوى العالم العربي والإسـلامي حاليـا، فهل هو قدر أم صدفة أم دهـــاء متربـص ؟ !
وإذا كان المنطق السليـم، سـواء المستند منه إلى أحكام الشرع ونصـوصه الجامعة أو المجرد المتصل بالفطـرة البشـريـة، لا يمكن أن يستسيـغ بأي حال سفك الدمـــاء والإقدام على العدوان وبث الرعب وإشـاعة ” ثقافة ” الاجتثـــاث بشتى الأساليب والوسـائـل البشعة حتى لكأننـــا في جاهليـة غابـــرة بُعِثَت لاستهـداف الإنســـان في وجـــوده وفي ما خلق من أجلـــه !
وإذا كان الشر “القادم من الشرق” واثق من “قوته” و “شريعته”، فإن صناعة الأمن تتطلب الاستناد بالضرورة إلى القيم الوطنية دينا وأسسـاً وقواعد مسطرة اعتماداً على سمو الضوابط المتصل بشرعية المؤسسات وشرعية الأسانيد الدينية والتاريخية والقانونية والمجتمعية على أساس المساواة – بداية ونهاية – بين الشريف والضعيف، وتنزيل منطوق مختلف النصوص المسطرة والمبثوثة عبر مختلف المنابر الرسمية المعتمدة.
بيد أن الحديث عن الأمن العام والأمن الروحي كل على حدة يجدر ها هنا أن يتوحد ويتحد في عنوان واحد موحد على اعتبار وحدة القيم ووحدة الضوابط والأسانيد، ثم إن احتكار العمل الأمني والانتساب لشرف حفظ الأمن على الفئات التي تجد لها ” ألسنة ” تُنَظِّرُ لوجوب “الانتساب” وإهمال فئة أو فئات قد يكون وجودها محورياً ودالاً.. كفئة بعض الإداريين في إطار الشأن الديني إذ هذه الفئة هي بحق “الجار الجنب ذي القربى” لفئة العلماء العاملين المتصلين موضوعيا وهيكليا بأسمى مؤسسة مهتمة ومشرفة على الشأن الديني والشأن الأمني على حد سواء.
لكن الموضوع في الأصل يتوقف على مبادئ وثوابت أساسية لا ينبغي بأي حال إغفالها أو الاستهانة بها أو حتى وضعها في المرتبة الثانية، ويتعلق الأمر بالدور الأساس للأسرة والوالدين على الخصوص إذ من الضروري إشاعة ثقافة تربوية – عبر وسائل الإعلام المختلفة من إذاعات وتلفزات وخطب الجمعة ومختلف المنشورات… – لتعتمد لدى الأسر وداخل الأسر ينكب عليها ذوو الاختصاص في علوم التربية والاجتماع وغيرهم، فالأسرة هي اللبنة الأولى ونواة المجتمع التي ينطلق منها كل تأسيس جاد وكل برنامج يستهدف الإنسان في حياته ومستقبله.
هذا، إضافة إلى المجتمع المدنـي والأحزاب السياسية التي يجدر بها أن تنخرط بجد وصدق للبناء والتنمية والرقي بالمجتمع بعيدا عن منطق الأنانية الذي بات سائدا وساطعا للصغير اليافع كما الكبير الراشد.
ومن جهتها، فالمؤسسـات الرسمية وشبه الرسمية بما فيها الجماعات المحلية طبعا وكذا الفضاءات المختلفة ذات النفع العام لابد أن يكون لها جميعها الدور الموضوعي المطلوب في التوعية والتحسيس والتعبئة والمتابعة والزجر … كل من موضعه دون تضارب، في تعاون وتنسيق محكم متناغم يوازي بين التربية والتعليم والصحة والبناء والعمارة والبيئة وكل القطاعات الحية دون إغفال أو استثناء للوصول إلى بناء مجتمع راق متحضر يدرك أهدافه ومصالح محيطه ووطنه..
والحق أن ترجمة الآمال والنوايا إلى برنامج حي ومُفَعَّل ليس صعبـاً ولا مُعْجِزاً إن كنا صادقين.
لقد سبق أن أثير موضوع التخليق أكثر من مرة، كمشروع سياسي ضروري وكان وقتها التركيز في “التعريف به” ينحصر أساساً – خصوصا على مستوى المعالجة الإعلامية – في معضلة الرشوة والحد منها، بيد أن التخليق في الحقيقة يحيل أيضا على إشاعة الأخلاق وتركيزها وتثبيت أسسهـا انسجاما مع ما يتفق وقيمنا الدينية والوطنية وكذا القيم الإنسانية المتصلة بالفطرة والحضـارة الراقية.
و هذا الهاجس لاشك أنه يرتبط وجوبا بإصلاح الإدارة الذي يظل متعثراً ويحتاج إلى اهتمام وإلى جدية عالية وإلى تعاون جميع الأطراف المعنية وتكاثف جهودها بصدق والتزام، وإن كانت الأشواط في هذا الباب قد تخطت مراحل وبلغت في مؤسسات عدة مستوى مشرف للغاية.. إلا أن النقائص تظل عديدة ومتقاطعة في مجالات مختلفة، ومن العيب بل من الخطورة استمرارها والتغاضي عنها كأنها السراب، حتى لَيُخَيَّلُ للمرء كأنه أمام السراب (…)، وحتى أن “الحرية” – التي ينعم بها – رؤوس بعض المرافق ربما ذهبت بأصحابها إلى حد الاعتقاد أنهم غير معنيين بوجوب الخضوع للإصلاح والمراجعة والتصحيح !
وإصلاح الإدارة يحيل إلى الإصلاح العام بمختلف المرافق شبه العامة منها والخاصة، فمثل هذا الإصلاح الضروري والأساسي يصحح مفهوم الحرية الشائع مُشَوَّهاً ويشيع الأخلاق التي ينشدها الكل ويعرقلها الجل، وهذا مما يعيق السريان السليم للحياة العامة ويساهم في انتشار المظاهر المعرقلة للحرية والمسيئة للأخلاق فيضيع الأمن في النهاية بين سلوك التعصب والتطرف وكثرة الاختلاف وتطفو الأحقاد وحب الانتقام والميل إلى تبني أفكار دخيلة لا قبل للمجتمع بها…
فهل من الحرية الجولان الحر لمختلف أنواع الكلاب، واطمئنان أصحابها لها بلا أدنى حسيب أو رقيب ؟!
وهل يُقْبَلُ عقلا غض الطرف عن انتشار الكلاب المشردة وتجوالها طليقة بين الناس..؟ !
وهل يجوز في مغرب اليوم استمرار ظاهرة انتشار الحمقى والمجانين في مختلف المدن بلا أدنى اهتمام المسؤولين..؟ !
أم أن التباهي باحتلال إحدى المدن للمكانة الثانية عالميا في النظافة مثلا يشفع بالقبول بكل النقائص في غيرها..؟ !!! أليس هذا كمن يتباهى بنظافة قدميه بينما رائحة إبطيه نتنة..؟ !
إن الدعوة إلى صحوة وطنية شاملة أراهـــا واجبة وضـرورية وملحة أيضا في هذا الظرف بالذات للقطع أمام كل مظاهر التخلف الاجتماعي الذي يقتضي المقام أن تكون من الماضي البائد، والتي لا ينبغي بحال أن يختلف في شأنها طرفان أو يضعها أحدهما في الاهتمام الثاني، فالصحوة المرجوة لموازاة الحرية السليمة بالأخلاق العامة لتحقيق الأمن الشامل وصناعة الأمن الوطني الحق هي البوابة المعرفة بالهوية الوطنية المتصلة بالقيم الأصيلـة ديناً وتاريخاً وحضارة، وهي المحيلة لانتسابنا ونسبنـــــا لتربة من ورثنـا عنهم كل ما يدعو للاعتزاز بالوجود.

عبدالله بوكابـــوس

ليست هناك تعليقات: