عن جوهرية الفعل الإداري ” أهذي “.. ! - الوصل المغربي

عاجل

إعلان

الاثنين، 10 سبتمبر 2018

عن جوهرية الفعل الإداري ” أهذي “.. !






يستوقفني من حين لآخر ذاك الحديث عن اشتداد السبـاق بين الدول والأمم على التقدم والتفوق – كما كان دائما طوال تاريخ البشر – حتى أصبح في الوقت الراهن أشد وتيرة وأكثر تأثيـرا على حياة المجتمعات والشعوب فأضحت الأمم تفكر في تطوير مستواها من أجل الحفاظ على موقعهـا ومن أجل أن تنافس الأمم المتقدمة عليها، لكن المؤكد أن التطور والتقدم لا يمكن أن يحصلا إلا إذا سادت قيمة الإتقـان في العمل، وفي غياب هذه القيمة لا يمكن لأمة أن تتقدم أو تتحدث عن التقدم، فلقد ورد في كتاب الله الحكيم: ” الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وهو العزيز الغفـــور “.

والإتقـــان لابد أن يكون علمياً مهنيـاً وشمولياً أيضا في مختلف أوجه الصناعات والأعمال، أكانت تعليمية أو فلاحية أو صحية أو بيئية أو سياحية أو غيرهـا…
وفي جميع هذه الصناعات والأعمال والخدمات المختلفة يسري الفعل الإداري أو العمل الإداري الذي أُعده تماماً كسريـان الدم في الشرايين إذ لا غنى عنه في أي مجال من المجالات المؤسساتية الحياتية سواء أكانت تندرج في إطار المرفق العمومي أو كانت فضـاء قطاعياً خاصاً.
ومن نافلة القول أن الفعل الإداري ضرورة “حيـاتية ” لا غنى عنها بأي حال، خصوصا وأن الإدارة علم مستقل بذاته – كما هو معلوم – ومجال واسع تتقاطع فيه تفرعات وتخصصـات متشابكة ومتداخلة في كثير من الأحيان، وتعاطيه بمعرفة وحب معرفة، وتعلق وصدق، يؤدي إلى مكاسب معرفية أوسع شأنه شأن أي علم من العلوم، بل إنه يتميز بقيمة فنية موازية للجانب المعرفي، فالعمل الإداري فن بكل ما في الكلمة من معنى حين يمـارس بمعرفة، وصدق، وحب، ورغبة في إنتاجية جيدة، ومن ثم فالوثيقة – أي وثيقة (بإطلاق) لمن كان يعقل – عموما، والملف الإداري على وجه الخصـوص، بالإضافة إلى كونه مادة حيوية تستحق العناية الفائقة والاهتمام البالغ على اعتبار الواجب المهني (في الإطار الضيق) من حيث ما يستوجب من انكبـــاب مباشر ومن حيث خصوصية التمسك بما يستحق من تحفظ وحرص على السرية المطلـوبة، وأيضا من حيث ما تتطلبه العملية من إدارة كافة جوانب المهمة (الحالات، الأولويـات، التتبع/La Traçabilité ،…)، فهو أداة فنيـة حقيقية يمتزج في أدائهـا الجانب المعرفي المهني بالجانب “الجمالي” العاطفـي..
ولئن كان الفعل الإداري يتميز بصفة النبل في أسمى المعاني الإنسانية وجمالية الذوق الفني في أعمق التجليات، فإن فلسفة امتهانه ترفض ذهنية الاستعلاء على “الوثيقة” أو التعاطي معها باحتقار أو ميز أو مزاجية لأن الأمر هنا يتعلق بعلم حقيقي كما سلف الذكر، ثم إن المعيار/ الحَكَمَ متواجد دوما بحكم النصوص والضوابط وبحكم البصيرة الإدارية والأخلاق أيضا بلا ريب، وإلا سنميل نحو الفساد. والفسـاد انحراف في السلوك، يتجلى في عدة صور كالرشوة والسرقة والاختلاس والتزوير والكسب غير المشروع وإساءة أو استغلال النفوذ.. الذي يفضي إلى عدم الإنصاف في التعامل مع المرتفقين/ المواطنين أو الشركاء، وقد يفضي أيضا إلى هدر المال العام.
وفي هذا السياق يمكن تعريف الفساد بأنه كل عمل ينطوي في جانب منه على سوء استخدام الوظيفة أو المنصب لتحقيق مصلحة خاصة أو منفعة ذاتية للموظف أو لغيره ضداً في القانون وفي الضوابط الجاري بها العمل.
وتتجلى بعض مظاهر الفساد الإداري أيضا في مخالفات متعلقة بمسلك الموظف الشخصي وتصرفاته كأن يقدم على فعل فاضح مخل بالحياء في مكان العمل، أو أن يقدم على طلب هدية أو عمولة أو أن يستعمل السلطة لتحقيق مآرب شخصية له على حساب الدور المنوط به في إطار ما يخدم المصلحة العامة.
وغير بعيد عن السياق تتجلى بعض مظاهر الفساد في ما يمكن ربطه بالتعاسة التي تلحق بالموظف الإداري حين يعود إلى بيته مُحبطاً ساخطاً مُرهقاً ليبث – من حيث يدري أو لا يدري – هذا الإحباط والسخط والإرهاق في من حوله سواء أزواجا كانوا أو أبناء أو إخوة أو أصدقاء، بل حتى أولائك الذين يبدون أكثر نضجا وأشد قوة وأوسع صدرا.. قد لا يستطيعون تحمل الضيق أو استبعاد الهم والكرب الملازم لهم نتيجة الأذى والألم الصادرين عن العناصر المفسدة بالإدارة مما يجعل التعاسة تتسرب إلى بقية جوانب حياتهم، لذلك قيل: ” يأكل الصدأ الحديد وتأكل الأحزان الفؤاد “.
كما أن ما ترفضه فلسفة جوهر العمل الإداري السليم ما يمكن نعته بالتمييع أو الانصياع لما تنبذه المساطر أمام “قوة” أو “سلطة” وهمية (…) تزعم لنفسها التميز بمال أو انتماء فئوي أو سلطوي معين، والظهور بمظهر الضعف أمامها، فذاك يلغي الجاذبية المتصلة بالنصوص الإدارية المدعمة للفعل الإداري كما يشوه الجمالية المتصلة بالحس الفني اللصيقة بالمعرفة المكتبية و باللغة والأسلوب الإداريين، وهنا أستحضر ما قاله المؤلف والممثل والموسيقي والمنتج التلفزيوني والناشط الجمعوي » بيل كوسبي « : ” لا أعرف ما هو سر النجاح، لكن سر الفشل هو محاولة إرضاء الجميع “.
بيد أن العمل الإداري في جوهره يظل “شامخا” من حيث المردودية عموما، ومن حيث التوازن الذي يحققه في بلوغ النتائج المتوخاة من برامج علمية وإنتاجية مختلفة، وأيضا من حيث بناء الإنسان بشكل عام وشمولي، فهو يمثل أحد أوجه الرأسمال غير المادي، كما يعول عليه في تحقيق بعض أو معظم الأهداف الإنمائية الثمانية للألفية في أفق رؤية ما بعد 2015 …
ومما لا شك فيه أن الفعل الإداري في جوهره، وفي أبعاده المختلفة المتصلة منها والمتباينة يعد الوجه المثالي للتنمية فهو العمود الفقري لدولة المؤسسـات وللعمل المؤسسي على اعتبار تمثله للقانون..، كما أنه القاطرة الناقلة للمادة الخام والمادة التحويلية على حد سواء، لذلك لابد من إيلائه الأهمية والاعتبار المستحقين له، ورفع يد الاستعلاء والاحتقار عنه في كثير من المؤسسات التي يغلب عليها زعم “تخصصات” معينة (…) تصر على فرض جاهلية ” أبوية ” لا قبل لمنطق العلم أو التجرد بهـــا !
و حري بالتنبيـه إلى أن الموظف الإداري الملتزم في حاجة إلى اعتبـــار خاص – من خلال إجراءات تشريعية مواكبة للإصلاحات العامة الجارية والمنشودة – يرفع عنه الظلم والشطط والاحتقار والإقصاء والتهميش، ويضعه في الزاوية التي تحفظ كرامته المادية والمعنوية وتجعله في مأمن من النظرة الدونية الناتجة أساسا عن التقصير وعن الجهل بالواجب وبالحدود المفترضة لدى كل تخصص وكل تكليف.

عبدالله بوكابــوس

ليست هناك تعليقات: